المقريزي
317
المقفى الكبير
وخدمت آباءك ، ولي عليكم حقوق كبيرة مثلها ما رعي و [ لا ] روعي ، وقد قام في نفسي أنّك تريد قتلي ، فأنا مجتهد في دفعك بغاية ما يمكنني ، وما بك حاجة إلى حضوري قصرك . فإن كان باطن رأيك مثل ظاهره فدعني على جملتي فإنّه لا ضرر عليك من تأخّري . وإن كنت تريد بي سوءا فلأن تقتلني في داري ، وأنا بين أهلي وأولادي ، أولى من أن تقتلني في قصرك وتطرحني للكلاب تأكل لحمي . فضحك الحاكم وأمسك عنه . واتّفق أنّ الحاكم توحّش ما بينه وبين أخته السيّدة العزيزيّة سيّدة الملك « 1 » . فراسلته حتّى اجتمعت به واتّفقا على قتل الحاكم ، وإقامة ابنه في الخلافة موضعه ، وأن يكون ابن [ 395 ب ] دوّاس صاحب الجيش وشيخ الدولة القائم بها . ووقّعت له بولاية السيارتين « 2 » وهي حماية مصر ، وبخمسين ألف دينار إقطاعا ، وعشرة آلاف دينار صلة ، وعشرة أفراس بمراكب ذهب ، ومائة قطعة ثيابا فاخرة ، وسيف محلّى بذهب مرصّع بجوهر . وأحضرها عبدين فندبتهما لقتل الحاكم فقتلاه كما قد ذكر في ترجمتها « 3 » ، وأحضراه إليه فحمله إلى سيّدة الملك فكتمت أمره . وبعثت إلى ابن دوّاس ثيابا كثيرة وبدرتين عينا ، وقادت إليه خمسة أفراس بمراكب الذهب . ثمّ استدعته بعد فقد الحاكم بخمسة أيّام ، وأمرته أن يركب في اليوم السابع من فقده ومعه كتامة إلى باب القصر . فركب في اليوم السابع ووقف بكتامة حتّى تعالى النهار . فاستدعته إلى مجلسها وقد أخرجت أبا الحسن علي ابن الحاكم وقالت له : المعوّل في القيام بهذه الدولة عليك ، وتدبيرها موكول إليك . وهذا الصبيّ ولده ، وينبغي أن تنتهي في الخدمة إلى غاية وسعك وتبذل فيها كلّ ما عندك . فقبّل الأرض وشكر ودعا ووعد بالإخلاص في الطاعة ، وبلوغ ما في القدرة والاستطاعة . وخرج بالصبيّ إلى الناس وقد لقّب [ 465 ب ] « الظاهر لإعزاز دين اللّه » . فكان أوّل من قبّل له الأرض ابن دوّاس ، ومرّغ خدّيه على الأرض بين يديه . وفعل الناس كذلك بعده . فزادت السيّدة ابن دوّاس في منزلته وجعلت مصادر التدبير على يده . فلمّا أحكمت ما أحكمته وأكّدت ما أكّدته ، أحضرته وقالت له : قد علمت ما بيني وبينك من المواثيق والعهود . وأنا امرأة ، وإنّما أريد الملك لهذا الصبيّ ، وقد وفّق اللّه وأحسن المعونة ، وأنت زعيم الدولة والمقدّم فيها . وقد رأيت أن أنجز وعدك وأردّ إليك أمر السيارتين مضافا إلى الشرطتين « 4 » ، وأجعل رأيك في الأموال والخزائن نافذا ، ورأيك في التدبيرات معتمدا . فقبّل الأرض . وشاع هذا الحديث ، وركب
--> - واختفاء الحاكم كان لليلتين بقيتا من شوال سنة 411 ( الاتعاظ ، 2 / 115 ) . ( 1 ) السيّدة العزيزيّة : مرّ هذا اللقب في ترجمة جعفر الكلبي الصقلّي رقم 1081 . ولعلّه أحد لقبي بنت العزيز أخت الحاكم ، واللقب الآخر هو ستّ الملك أو سيّدة الملك كما يقول بعد قليل وكما قال في الاتعاظ 1 / 292 وزاد : ولدت بالمغرب في ذي القعدة سنة 359 . فهذه التي تتواطأ مع ابن دوّاس على قتل الخليفة المجنون هي أخته . وفي الاتعاظ 2 / 115 سمّاها : ستّ الكلّ سلطانة . ( 2 ) السيارتان : قال أيمن فؤاد السيّد في تحقيقه للقانون في ديوان الرسائل لابن الصيرفيّ ، بيروت ، 1990 ، ص 35 ه . 3 إنّهما تعنيان حماية الصعيد وحماية أسفل الأرض ، ويسمّى صاحبهما متولّي الحرب . ( 3 ) ترجمة أخت الحاكم مفقودة ، ونحن بعد لا نعرف اسمها . - ( 4 ) الشرطتان العليا والسفلى : شرطتا القاهرة ومدينة مصر .